نوفمبر الجنوبي.. ذاكرة وطنية تستعيد حضورها في مواجهة تحديات الحاضر
في الذكرى الثامنة والخمسين لعيد الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م، يحتفل أبناء شعب الجنوب العربي بهذه المناسبة الوطنية التي رسخت في الذاكرة الجنوبية بذلك اليوم الذي تنفست فيه الجغرافيا الجنوبية عبق الحرية، واستعادت سيادتها الكاملة بعد 129 عاماً من الاستعمار البريطاني.
إنّ نوفمبر ليس مجرد ذكرى وطنية، بل هو جزء أساسي من الهوية الوطنية الجنوبية ومدرسة فكرية ووطنية تجسّد الإخلاص والوفاء لرسالة الشهداء الذين قدّموا أرواحهم فداءً للحرية والكرامة ونيل الاستقلال الكامل السيادة.
تحل هذه الذكرى في مرحلة تتسم بتعقيد سياسي وإقليمي واضح، حيث تتقاطع المصالح وتتبدل المعادلات باستمرار.. ورغم هذا المشهد المضطرب والمتداخل، يستلهم الجنوب العربي الدروس والعبر من تجربة الآباء والأجداد في صناعة الاستقلال الأول، ماضون بعزيمة نحو تحقيق الاستقلال الثاني، فقد صقلت التجارب وعي أبناء الجنوب العربي وأكسبتهم القدرة على التمييز بين الخلاف السياسي الطبيعي داخل المجتمع وبين التهديدات التي تمس جوهر السيادة والاستقلال ومع أن التباين في الرؤى أمر صحي في أي مجتمع، فإن المشترك الوطني ظل نقطة التقاء تعيد صياغة وحدة الصف الجنوبي في مواجهة القوى الساعية للنيل من تطلعاته في استعادة الدولة الجنوبية ذات سيادة .
إنّ الثلاثين من نوفمبر ليس تاريخاً يُستعاد كل عام فحسب، بل هو مصدر إلهام متجدد ورمز للتحرر وإعادة بناء الذات، ومنطلق لتصور مشروع الدولة الحديثة التي يطمح إليها الجنوبيون. لطالما شكلت هذه الذكرى مرجعاً قيمياً يُستعان به في مواجهة التحديات بمختلف أشكالها ومسمياتها.
ومنذ الاستقلال الأول، واجه الجنوب لحظات دقيقة تداخلت فيها أطراف إقليمية ودولية سعت بطرق مختلفة للتأثير في مسار استقراره، غير أن الوعي الجماعي بأهمية حماية المكتسبات الوطنية مكّن المجتمع الجنوبي من تجاوز تلك المنعطفات.
وفي عام 1990م، وقعت دولة الجنوب في فخ شعارات الوحدة العربية مع شريك حمل الغلّ والحقد والانتهازية، سرعان ما انقلب على الشراكة وأعلن حرب 1994م التي استُبيحت فيها الأرض والإنسان، وتعرض فيها الجنوب العربي لمحاولات طمس تاريخه وهويته.
ورغم ما كانت تروّج له قوى الاحتلال اليمني من توقعات بأن الأجيال الجديدة ستتباعد عن قيم التحرر، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك فقد أكد أبناء الجنوب العربي عبر الأجيال تمسكهم بهويتهم الوطنية وبمبادئ نوفمبر، وإصرارهم على استعادة حقهم وبناء دولتهم الجنوبية المستقلة ذات السيادة.
نحتفل اليوم بهذه الذكرى الغالية فيما تتكالب علينا التحديات والمؤامرات من كل اتجاه، في محاولة يائسة لكسر إرادتنا وتمرير مشاريع منتقصة تسعى لإعادة الجنوب العربي إلى قبضة قوى الاحتلال اليمنية، إن المعطيات الراهنة تفرض على مختلف شرائح المجتمع الجنوبي الارتقاء إلى مستوى التحدي، والتصدي بسياسات واعية لمحاولات الإخضاع والإرباك وبعد ثلاثة عقود من اغتصاب الأرض وانتهاك السيادة، نقف اليوم على أرضنا وتحت سمائنا متمسكين بمبادئنا الوطنية، منطلقين من إرادة فولاذية لا تعرف اللين ولا الانكسار.. وبمزيد من وحدة الصف وتكاتف الجهود، يمكننا تجاوز كل السيناريوهات الهادفة لإعادة ابتلاع الجنوب وتمزيق نسيجه الاجتماعي وتدمير مستقبل أجياله.
إن استعادة روح نوفمبر لا تعني الانغلاق، بل التمسك بالثوابت الوطنية بالتوازي مع الانفتاح على الحلول السياسية وبناء الشراكات التي تخدم استقرار الجنوب وتنميته. وهو نهج يجمع بين حماية الهوية الوطنية والسعي إلى بناء دولة حديثة قائمة على المؤسسات وسيادة القانون.
لقد بثّ نوفمبر في نفوس الجنوبيين يقيناً لا يتزعزع:
أنّ الوطن لا يُباع، والسيادة لا تُساوَم، والحرية لا تُهجر.
وفي ظل الظروف الراهنة وما يحيط بالجنوب من مخاطر، لن يجد الجنوبيون درعاً أصدق من العودة إلى قيم الاستقلال ومبادئ نوفمبر التي أرساها الآباء المؤسسون. فهذه الروح هي التي حفظت البلاد في الماضي، وهي القادرة على أن تصون مستقبلها.















